مقالات

وانا مالي؟

 

بقلم: القيادي العمالي المستقل محمد عبدالمجيد هندي، مؤسس ورئيس المجلس القومي للعمال والفلاحين

“وانا مالي؟” هذه العبارة التي يرددها البعض لا تبدو غريبة في أحاديثنا اليومية، وكأنها درع يتخذه البعض لحماية نفسه من الانخراط في مسؤولياته المجتمعية. لكنها في حقيقتها تعكس موقفًا فرديًا ضيق الأفق، ومجرد الانغماس في تكرار هذه العبارة هو بوابة إلى انعزالية ضارة لا تتماشى مع أسس الحياة الإنسانية. هل يمكن لأي مجتمع أن يتقدم وأن يستقر إذا تبنى أفراده هذه العقلية المنفصلة عن الواقع؟

الحياة ليست مجرد رحلة للحصول على مكاسب شخصية أو العيش في دائرة ضيقة من الطموحات الذاتية؛ إنها علاقة تكاملية تتطلب منّا تفاعلًا عميقًا مع قضايا المجتمع ومشاكله وتحدياته. نحن لسنا وحدنا في هذا العالم، فحياتنا ترتبط بمصائر الآخرين، وأي ضرر يصيب المجتمع من حولنا سيؤثر في نهاية المطاف علينا جميعاً، حتى وإن حاول البعض تجاهل هذا الواقع أو الهروب من تبعاته. من هنا تأتي المسؤولية الإنسانية الحقيقية في أن يكون لنا دور في استقرار مجتمعنا وازدهاره. فالحياة ليست فقط أكل وشرب وامتلاك، بل هي مسؤولية جماعية، تتطلب منا التكاتف والتعاون من أجل بناء مجتمع قوي وآمن للجميع.

العيش بسلام واستقرار لن يتحقق في مجتمع يعاني أفراده من الفقر أو القلق، ولن يكتمل شعورنا بالسعادة إن تجاهلنا الآخرين واحتياجاتهم. لا يمكن أن نجد الطمأنينة في مجتمع غير متماسك، أو يعاني من مشكلات اقتصادية واجتماعية تتفاقم بمرور الوقت. إن تجاهل معاناة الآخرين ليس رفاهية، بل هو إهمال لأحد الأبعاد المهمة للحياة الإنسانية. فحينما نجد أشخاصاً محاطين بمصاعب الحياة أو يقاومون التحديات بمفردهم، فإن تقديم يد العون إليهم يصبح واجباً وليس خياراً، لأن ذلك يعزز استقرار المجتمع ويزيد من قوة تماسكه.

المجتمعات التي ازدهرت وتقدمت لم تقم على عزلة الأفراد وانعزالهم عن بعضهم البعض، بل بنيت على أسس التعاون والتضامن. هذه القيم تجعل كل فرد يرى في المجتمع سندًا له ويشعر بالطمأنينة والأمان، كما تحثنا على بناء جسور من التعاون وتفعيل دور كل فرد ليكون له أثر إيجابي على من حوله. وفي المقابل، فإن “وانا مالي؟” هي دعوة إلى التفكك، وتحويل الحياة إلى صراع منفرد، لا رابح فيه على المدى البعيد.

واجبنا تجاه المجتمع لا يتوقف عند حدود تحقيق المكاسب الذاتية أو العيش بسلام شخصي، بل يتجاوز ذلك ليشمل سعينا نحو غاية أسمى؛ غاية تجعلنا نفكر ونعمل معًا من أجل رفاهية الجميع. علينا أن نتكاتف لنبني مجتمعًا لا يترك أحدًا متخلفًا عن الركب، لأن قوة المجتمع وازدهاره تأتي من تكامل أفراده ووقوفهم جنبًا إلى جنب.

لذا، أدعو كل من يقرأ هذه الكلمات أن يتجاوز النظرة الفردية الضيقة، وأن يرى في “وانا مالي؟” دعوةً لتجديد الالتزام بدوره تجاه من حوله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى